الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

60

شرح ديوان ابن الفارض

هلّا بعثتم للمشوق تحيّة في طيّ صافية الرّياح رواحا « هلا » كملة تحضيض وهو الطلب بالإزعاج وهي مركبة من هل ولا وقيل بسيطة غير مركبة . و « بعثتم » أرسلتم . و « المشوق » أصله مشووق اسم مفعول نقلت ضمة الواو فيه إلى الشين الساكنة قبلها فالتقى ساكنان وهما واو الكلمة والواو بعدها فحذفت الواو الأولى لذلك فوزنه مفعول لأن الواو المحذوفة عين الكلمة وإنما قلنا إن لفظ مشوق اسم مفعول لأن الفعل يتعدى . فيقولون شاقني ذكر المنازل فهو شائق وأنا مشوق والتحية السلام . قوله « في طيّ صافية الرياح » أي في ضمن الرياح الصافية . والصافية هنا من الصفاء أي الرياح التي لا يخالطها غبار ولا ما شابهه فالتركيب من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الرياح الصافية ويقال صفا الجو إذا لم تكن فيه لطخة غيم ويوم صاف وصفوان أي بارد بلا غيم ولا كدر . وقوله « صافية » تروى صافنة بالفاء وبالنون من أوصاف الخيل فإن ثبتت الرواية فلعلها من باب تشبيه الرياح بالخيل الجياد فكأنه قال في طيّ الرياح المشبهة بالخيل الجياد ويكون على هذا من باب عكس التشبيه . قوله « رواحا » أي في وقت العشاء أو من وقت الزوال إلى الليل . الإعراب : هلا : كلمة بمعنى التحضيض أي الطلب بالإزعاج . وبعثتم : أرسلتم . وتحية : مفعوله . وللمشوق : متعلق به أيضا وهو مضاف إلى صافية المضاف إلى الرياح . ورواحا : منصوب على الظرفية أي في وقت الرواح . والمعنى : أطلب منكم يا سكان نجد أن ترسلوا إليّ تحية . وقوله للمشوق من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على وصف الشوق من الطالب المقتضى لاستحقاقه التحية كأنه يقول ابعثوا تحية في مطاوي الرياح وقت الرواح لمن هو موصوف بالشوق الذي شبّ عمره عن الطوق وإنما خص ذلك بوقت الرواح لأنه من الأوقات الطيبة كوقت السحر ولأن النسيم يهب بعد زوال الشمس بلطف وفي البيت الجناس اللاحق بين الرياح والرواح مع تخريف في الحركات . ( ن ) : الخطاب في بعثتم لساكني نجد . وقوله للمشوق ، يعني نفسه . ويكني بصافية الرياح عن الروح المنفوخة عن أمر اللّه تعالى يقول هلا بعثتم معها حيث نفخت فيه عن أمركم تحية له وسلاما وأمانا من المكر به من قبيل الإرث اليحيوي من قوله تعالى : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) [ مريم : الآية 15 ] وقول الروح العيسوي والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا . اه . يحيا بها من كان يحسب هجركم مزحا ويعتقد المزاح مزاحا